السيد كمال الحيدري

274

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

من نهاية بعد زوال المحنة وانقضاء التجربة التي يُبتلى بها العالم آخر الزمان « 1 » . لا يتوقّف خط التنظير لفكرة الشرور من خلال الشيطان عند اوريجين ، بل شهد من بعده محاولات أخرى ، أبرزها ما قدّمه القدّيس أوغسطين ( 430 354 م ) ، الذي ذهب في علّة سقوط الشيطان مذهباً كمذهب أوريجين ، فقال إنّه خلق للخير ولكنّه أشقى نفسه بحسده وكبريائه . يرى أوغسطين كمن تقدّمه أنّ للشيطان دوراً في بثّ الشرور من خلال علمه بالسحر وقدرته على نشر الأوبئة وبقيّة ضروب الخوف والمرض التي تتهدّد الإنسان وتدفعه نحو الشرّ ، لكن مع ذلك فإنّ قدرته هذه قدرة محدودة تقصر عن عزيمة الإيمان إذا صدقت نيّة المؤمن عليها « 2 » . مع توما الاكوينى ( 1274 1227 م ) اكتسبت فكرة الشرور عامّة وفكرة الشيطان خاصّة صبغة منظومية بدت أكثر عقلانية من المنظومات التي سبقتها على الأقلّ على مستوى العرض . ربّما كان مردّ ذلك النزعة الفلسفية عند الاكوينى . انطلق الاكوينى من نقطة مركزية تتمثّل بحرّية الإرادة التي يملكها كلّ مخلوق عاقل . وهو وإن كان يميّز في قوّة هذه الإرادة بين الكائنات العقلية أو الذهنية التي يأتي الشيطان في المنزلة العليا منها ، وبين الكائنات الحيوانية المولَدة من التراب ، إلّا أنّ تركيزه على إرادة الكائن العاقل ، سمحت له بنظرة أقلّ « قدرية » إلى قوّة الشرّ ، وأكثر احتراماً لقدرة الإنسان على مواجهة الشرور وصنع الخير . فمع أنّه يذهب إلى أنّ الكائنات العقلية أو الشياطين مسلّطة على عقول البشر ، إلّا أنّ ذلك لا يكون خارج سلطان الله وعلمه وقدرته وقضائه ، ومن ثمّ فليس الشيطان وشروره قوّة خارجة عن قدرة الله وعلمه وسلطانه ، بل تمارس هذه المخلوقات دورها في نطاق النظام الحكيم الذي يتدبّره ربّ العالمين

--> ( 1 ) ينظر في تفصيل أفكار أوريجين عن الشرّ والشيطان : إبليس ، ص 304 300 . ( 2 ) ينظر في تفصيل أفكاره : المصدر السابق ، ص 304 فما بعد .